الشيخ البهائي العاملي
160
الكشكول
إذ لا يستقيم أن يكون بيانا ، لاقتضائه أن يكون مستقرا ولمقدر خلافه وعلى تقدير أن يكون تبعيضيا فمعناه فأتوا بعض مثل المنزل بسورة وهو ظاهر البطلان ، على تقدير أن يكون ابتداء لا يكون المطلوب بالتحدي الإتيان بالسورة فقط ، بل بشرط أن يكون بعضا من كلام مثل القرآن وهذا على تقرير استقامته بمعزل عن المقصود ، واقتضاء المقام يقتضي التحدي على سبيل المبالغة ، وأنّ القرآن بلغ في الإعجاز بحيث لا يوجد لأقله نظير فكيف للكل فالتحدي إذا بالسورة الموصوفة بكونها من مثله في الإعجاز ، وهذا إنما يتأتى إذا جعل الضمير لما نزلنا ومن مثله صفة لسورة ومن بيانية فلا يكون المأتي به مشروطا بذلك الشرط ، لأنّ البيان والمبين كشيء واحد كقوله تعالى : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ « 1 » ويعضده قول المصنف في سورة الفرقان إن تنزيله مفرقا وتحديهم بأن يأتوا ببعض تلك التفاريق كما نزل شيء منها أدخل في الإعجاز وأنور للحجة من أن ينزل كله جملة واحدة فيقال لهم جيئوا بمثل هذا الكتاب في فصاحته مع بعد ما بين طرفيه أو طوله انتهى . وأقول : هذا الكلام مع طول ذيله قاصر عن إقامة المرام كما لا يخفى على من له بالفنون أدنى إلمام « 2 » فلا علينا أن نشير إلى بعض ما فيه ، فنقول : قوله : وعلى تقدير أن يكون تبعيضيا فمعناه فأتوا بعض مثل المنزل بسورة وهو ظاهر البطلان فيه بحث ، لأنّ بطلانه لا يظهر الا على تقريره ، حيث غير النظم بتقديم معنى من على قوله بسورة ، وهذا فساد بلا ضرورة فلو قال : فأتوا بسورة مثل بعض المنزل على ما هو النظم القرآني فهو في غاية الصحة والمتانة وحينئذ يكون قول بعض مثل المنزل بدلا فيكون معمولا للفعل على ما حققناه سابقا حيث قررنا على كلام صاحب الكشف فارجع وتأمل . ثم قوله وعلى تقدير أن يكون ابتداء لا يكون المطلوب بالتحدي الإتيان بسورة فقط بل بشرط أن يكون بعضا من كلام مثل القرآن فيه نظر ، لأنّ الإتيان من المثل لا يقتضي أن يكون من الكلام مثل القرآن بل يكون المأتي جزءا منه : بل يقتضي أن يكون من نوع من الكلام غالبا في البلاغة إلى حيث انتهى به البلاغة القرآنية ، والمأتي به يكون فردا من أفراده ولعمري إنه ما وقع في هذا الا لأنه جعل المثل كلا له أجزاء لا كليا له أفراد كما فصلناه سابقا في مثال الياقوتة حيث أوردنا الكلام على العلامة التفتازاني ، فلا يحتاج إلى الإعادة ، وظنّي أن منشأ كلام العلامة التفتازاني ليس إلا كلام الفاضل الطيبي تأمل وتدبر . وقد يجاب بوجوه آخر ، في غاية الضعف ونهاية الزيف « 3 » أوردها العلامة التفتازاني في شرح الكشاف وبين ما فيها رأينا أن في نقلها على ما هي عليها استيعابا للأقوال وليكن للمتأمل في هذه
--> ( 1 ) الحج الآية ( 31 ) . ( 2 ) الإلمام النزول يقال قد ألم به أي نزل به . ( 3 ) الزيف المغشوش ، يقال درهم زيف اي دخل فيه الغش .